اكتشاف مذهل العلماء يرسمون أول خريطة شاملة للوصلات العصبية في ذبابة الفاكهة

منذ 1 ساعة
اكتشاف مذهل العلماء يرسمون أول خريطة شاملة للوصلات العصبية في ذبابة الفاكهة

في إنجاز علمي مميز، استطاع فريق دولي من العلماء، بقيادة باحثين من جامعة هارفارد وجامعة برينستون، رسم أول خريطة شاملة لوصلات الجهاز العصبي المركزي لذبابة الفاكهة البالغة. هذا التطور يعد غير مسبوق في مجال علم الأعصاب، حيث يقدم فهمًا أعمق لكيفية تواصل الدماغ مع باقي أجزاء الجسم، وبالتالي إنتاج سلوكيات متنوعة.

تُعرف هذه الخريطة باسم الكونكتوم، والتي تمثل خريطة مفصلة توضح كل خلية عصبية وكل اتصال بينها وبين غيرها. قبل ذلك، تمكن العلماء من رسم خريطة لدماغ ذبابة الفاكهة، لكن الدراسة الجديدة تضيف حبلها العصبي، مما يمنح العلماء القدرة على تتبع تدفق المعلومات العصبية من الدماغ وإليه عبر جميع أجزاء الجهاز العصبي المركزي.

تحظى ذبابة الفاكهة بأهمية كبيرة في أبحاث الأعصاب، على الرغم من أن جهازها العصبي يحتوي فقط على حوالي 160 ألف خلية عصبية، مقارنة بمئات المليارات في دماغ الإنسان. إلا أن هذه الحشرة قادرة على تنفيذ سلوكيات معقدة مثل الطيران والمشي والتعلم، مما يجعلها نموذجًا مثاليًا لفهم المبادئ الأساسية التي تحكم الأجهزة العصبية.

لتطوير هذه الخريطة، قام الباحثون بتجزئة ذبابة واحدة إلى آلاف الشرائح الرقيقة، والتقطوا ملايين الصور باستخدام المجهر الإلكتروني. ومن خلال أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، تم دمج هذه الصور لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد يعرض كافة الخلايا العصبية والترابطات بينها بصورة دقيقة.

لقد أسفر التحليل عن نتائج غير متوقعة. على مدار سنوات، اعتقد العلماء أن الدماغ يعمل كمركز قيادة يتجاوز الأوامر إلى الجسم، لكن الدراسة كشفت أن التحكم في الحركة يتم داخل دوائر عصبية محلية في الأعضاء المسؤولة عن تلك الحركة. ووجد العلماء أن الدوائر العصبية المخصصة لكل ساق تعمل بشكل رئيسي على تنسيق تلك الساق، مما يشير إلى وجود منظمات محلية متخصصة تعالج المعلومات وتنسق مع العناصر الأخرى.

هذا النمط لم يقتصر على الأرجل فقط، بل انطبق أيضًا على الأجنحة وأجزاء الفم وأعضاء أخرى. وبدلاً من أن تكون جميع الوظائف تحت سيطرة مركز واحد، تبدو وكأنها تنفذ بواسطة وحدات مستقلة تعمل بالتعاون مع بعضها البعض. كما أن هذه الدوائر لا تعمل بمعزل عن الأنظمة الأخرى، بل تتكامل مع دوائر بصرية وحسية وهرمونية تعزز السلوك وفقًا للبيئة.

تشير النتائج إلى أن السلوكيات لا تنبع من توجيهات مركزية بسيطة، بل تتشكل من شبكة مترابطة من الوحدات العصبية التي تتبادل المعلومات باستمرار. وهذا قد يشير إلى وجود نماذج مشابهة في الكائنات الأكثر تعقيدًا، بما في ذلك البشر. كما يراها الباحثون كنقطة انطلاق لدراسة أعمق تمامًا مثلما فعل مشروع الجينوم البشري مع علم الوراثة.

فالمشروع لا يمثل مجرد دراسة واحدة، بل يعتبر موردًا علميًا مفتوحًا يمكن للباحثين في جميع أنحاء العالم الاستفادة منه لسنوات عديدة، مما يسهل عليهم اختبار فرضيات جديدة وفهم كيفية عمل الشبكات العصبية. ويخطط العلماء لتوسيع هذه الخريطة بمزيد من المعلومات، بما في ذلك النواقل العصبية الأساسية.

ويأمل الفريق أن تساعد هذه الجهود في اكتشاف المبادئ العامة التي تحكم عمل الأعصاب عبر أصناف الحياة المختلفة. وقد تفتح هذه النتائج المجال للأبحاث في ميادين الذكاء الاصطناعي والروبوتات، حيث تتجه الجهود لتطوير أنظمة تعتمد على التعاون بين وحدات متعددة بدلاً من التركيز على مركز تحكم واحد. بذلك، تقدم هذه الخريطة الجديدة مساهمة قيمة لفهم أحد الأسئلة العلمية الكبرى: كيف تتولد الحركة والذكاء والسلوك من شبكة معقدة من الخلايا العصبية؟