موجة حر غير مسبوقة في أوروبا تؤدي إلى ارتفاع حرارة الأنهار واضطراب إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد
تواجه أوروبا في الوقت الراهن موجة حر شديدة تباطأت من خلالها إمدادات الطاقة وتسببت في ارتفاع تكاليف النقل، مما يؤثر سلبًا على العديد من القطاعات الاقتصادية. وقد بدأت هذه الموجات منذ يونيو الماضي، حيث سجلت درجات حرارة غير مسبوقة في كل من ألمانيا وفرنسا، الأمر الذي أدى إلى حدوث تراجع ملحوظ في هطول الأمطار وفرض قيود على الملاحة في الطرق النهرية.
أظهر الوضع المتأزم انخفاضًا كبيرًا في منسوب المياه في الأنهار، مما ألقى بظلاله على الشحن النهري وأدخل الضغوط على الاقتصادات الأوروبية. ومع استمرار أزمة مضيق هرمز وتداعياتها على أسعار الطاقة، وجد العديد من الصناعيين والمصدرين أنفسهم يواجهون تحديات غير عادية في تنقلاتهم. بحسب تقرير صادر عن منصة “أويل برايس”، فإن هذه التحديات قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم دون أي أمل قريب في التحسن.
في فرنسا، انخفض إنتاج الطاقة الكهربائية من المحطات النووية بشكل ملحوظ بسبب ضعف الإمدادات المائية، مما أضر بإنتاجية البلاد. فقد تراجعت قدرة هذه المحطات على استخدام المياه لتبريد المفاعلات بفعل ارتفاع درجات حرارة الأنهار، ليؤدي ذلك إلى تقليل إمدادات الكهرباء بحوالي 6.4 جيجاواط، أي ما يمثل نسبة تقارب 14% من إجمالي الطلب في يوم واحد. رغم هذه الأزمة، استطاعت فرنسا الاستمرار في تصدير الكهرباء للدول المجاورة، مما يدل على مرونة بعض جوانب اقتصادها.
التحديات لا تتوقف عند هذا الحد، فقد عانت حركة الشحن في نهر الراين، الذي يعد من أهم ممرات النقل في أوروبا. انخفض منسوب المياه بشكل كبير، ما أثر على قدرة السفن على نقل الشحنات بالكامل، مما أدى إلى تكاليف نقل أعلى وزيادة التأخيرات في توصيل الوقود والسلع المختلفة. يعتبر نهر الراين شريانًا حيويًا لتوصيل الفحم والديزل إلى ألمانيا ووسط أوروبا، ومع ذلك فإن الظروف الجوية القاسية قد تجعل هذه العمليات أكثر تعقيدًا.
عانت أوروبا في السابق من أزمات مشابهة عامي 2018 و2022، والتي ارتبطت في كثير من الأحيان بتقلبات في منسوب مياه نهر الراين، ولكن ما يزيد الوضع تعقيدًا هذه المرة هو وجود أزمة طاقة تضرب الأسواق بفعل النزاع في الشرق الأوسط. كما سجّل منسوب المياه عند نقطة “كوب” أدنى مستوياته منذ عقود في منتصف يوليو، مما يزيد من احتياجات السوق للوقود ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل بشكل غير مسبوق.
وفي سياق تأثير الموجات الحرارية على الاقتصاد الألماني، تشير التوقعات إلى وجود ضغوط إضافية، حيث إنه برغم تجاوز البلاد الفجوة الاقتصادية الناجمة عن الأزمات السابقة، إلا أن الظروف الحالية قد تؤدي إلى تراجع GDP والإنتاج الصناعي. فقد قدر تحليل أجرته شركة “بروجنوس” للأبحاث التفصيلية، أن هذه الموجات التكبدت الاقتصاد الألماني خسائر تجاوزت 6.8 مليار دولار جراء الضغوط الساحقة الناتجة عن هذه الموجات.
مع استمرار هذه الظروف، يقدر الخبراء أن ألمانيا قد تواجه ثلاث إلى أربع موجات حر شديدة كل صيف، مع توقعات أن تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية، مما يعرض الاقتصاد لمزيد من الخسائر. حيث تتوقع شركة “بروجنوس” أن تصل الخسائر إلى أكثر من 20 مليار يورو سنويًا، في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه. في ختام الأمر، يمثل الطقس بعنوان مفاجئ ومثير التحديات اليومية التي تواجهها القارة، مما يفرض على دولها البحث عن حلول فعالة للحفاظ على استدامتها.