اختبار DNA مبتكر يكشف عن أمراض وراثية نادرة لا تستطيع التقنيات التقليدية رصدها
تمكن فريق من الباحثين في هولندا من تطوير اختبار مبتكر للحمض النووي (DNA) يعد بفضل تقنياته المتقدمة فائق الدقة والشمولية في رصد وتحليل الجينوم البشري. هذه التطورات تأتي في وقت يعاني الكثير من المرضى من صعوبة تشخيص الأمراض النادرة، التي غالبًا ما تُعتبر تحديًا كبيرًا للطب الحديث. وقد تم نشر نتائج الدراسة في مجلة نيو إنجلاند الطبية، حيث أوصى العلماء باستخدام هذا الاختبار كخيار أساسي في التشخيص على مستوى العالم.
تُصنف الأمراض النادرة عندما تصيب أقل من شخص واحد من كل ألفي شخص، ورغم هذا، تم تسجيل أكثر من 7000 مرض نادر يقدر عدد المصابين بها بحوالي 400 مليون شخص حول العالم. وتشير البيانات إلى أن نحو 80% من هذه الأمراض ناتجة عن تغيرات وراثية. ومع ذلك، يستغرق الوصول إلى تشخيص دقيق سنوات طويلة لكثير من المرضى، مما يستدعي تطوير طرق تشخيصية أكثر فعالية.
قام الباحثون بإجراء دراسة شاملة شملت 1000 مريض، حيث تمت المقارنة بين طرق التشخيص الجيني التقليدية والتقنية الجديدة. أظهرت النتائج التي توصلوا إليها أن الاختبار الجديد قد نجح في زيادة معدلات التشخيص بنسبة 3% إضافية مقارنة بالأساليب المستخدمة حالياً، فضلاً عن قدرته على استبدال ما يصل إلى 15 اختبارًا مختلفًا غالبًا ما تُستخدم لتحديد الاضطرابات الوراثية.
تعتمد التقنية الجديدة على ما يُعرف بـ “القراءة الطويلة للجينوم”، حيث تستطيع هذه التقنية قراءة مقاطع طويلة من الحمض النووي تصل إلى 20 ألف وحدة وراثية دفعة واحدة. هذا يتيح للعلماء الحصول على صورة أكثر دقة وشمولية للتركيبة الجينية. يقارن الباحثون هذه العملية بمحاولة تجميع صورة معقدة؛ كلما كانت الأجزاء كبيرة، أصبح من السهل تجميع الصورة النهائية بشكل صحيح.
بالإضافة إلى ذلك، لا يقتصر الاختبار على قراءة الشيفرة الوراثية فقط، بل يمكن أيضًا اكتشاف التعديلات الكيميائية التي تؤثر على الحمض النووي، وهي التعديلات التي تلعب دورًا حيويًا في تنظيم وظائف الجينات. بينما تتطلب الأنظمة التقليدية المزيد من الفحوص المتخصصة لتحديد هذه التعديلات، فإن تقنية القراءة الطويلة تدمج هذه المعلومات ضمن اختبار واحد، مما يسهل عملية التشخيص.
أكد الباحثون أن من أبرز مزايا التقنية الجديدة قدرتها على الكشف عن التغيرات الوراثية المعقدة التي قد لا تُظهرها الأساليب التقليدية. ومع زيادة قاعدة البيانات الجينية وتوسع معرفة العلماء حول العلاقة بين الطفرات والأمراض، تتسع الفرص لتشخيص عدد أكبر من المرضى الذين لم يتمكنوا من الحصول على سبب مرضهم بعد.
أثبتت التقنية فعاليتها أيضاً خلال فعالية علمية تُعرف باسم “هاكاثون الحالات غير المشخّصة”، التي شهدت مشاركة نحو 150 خبيرًا من المراكز الطبية الجامعية في هولندا. خلال هذا الحدث، تم تحليل 33 حالة لأفراد لم يتمكنوا من الحصول على تشخيص واضح لأمراضهم بعد سنوات طويلة من الفحوصات. بفضل تقنية القراءة الطويلة، استطاع الفريق تقديم خرائط جينية مفصلة للمشاركين، مما أسفر عن اكتشاف خمسة تشخيصات جديدة.
يرى الباحثون أن توسيع استخدام هذه التقنية سيسهم في تسريع عمليات البحث والتشخيص للمرضى الذين يعانون من الأمراض النادرة. كما يمكن أن يقلل من الحاجة لاستخدام مجموعة متنوعة من الفحوص، ويمنح الأطباء معلومات أكثر شمولية لفهم الأسباب الجينية المعقدة للأمراض. يأمل فريق البحث في أن تصبح تقنية القراءة الطويلة للجينوم المعيار الجديد في تشخيص الاضطرابات الوراثية خلال السنوات القادمة، مع استمرار تطوير المعرفة الجينية وتوسيع تطبيقات الطب الدقيق.